رافع البرغوثي -
شهدت سنة 2019 رحيل مبدعين كثيرين عن هذا العالم، منهم شاعر القدس التركي نوري باكديل، وأيقونة أدب السود الروائية الاميركية توني موريسون، ومصمم الأزياء الألماني كارل لاغرفيلد. وفي السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية، نبه أطلس اللغات المهددة بالاندثار الى لغات انقرضت، وأخرى تحتضر، او تواجه الخطر.
في موسم توزيع جوائز نوبل، ثارت عاصفة أخلاقية لمنح جائزة نوبل للآداب للكاتب النمساوي بيتر هاندكه، منكر الإبادة الجماعية التي ارتكبها الصرب، وراح ضحيتها آلاف المسلمين البوسنيين.
كانت 2019 السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية. وعرضت «اليونيسكو» في باريس، في الثامن عشر من فبراير الماضي، النسخة الإلكترونية للطبعة الجديدة من أطلس لغات العالم المهددة بالاندثار. ويقدم هذا البرنامج الرقمي التفاعلي بيانات جرى تحديثها عن نحو 2500 لغة مهددة بالاندثار.
وجرى تصنيف حيوية هذه اللغات في خمسة مستويات مختلفة هي: اللغات الهشة، اللغات المعرضة للخطر، اللغات المعرضة لخطر كبير، اللغات المحتضرة، اللغات الميتة.
ومن أصل ستة آلاف لغة في العالم، انقرضت 200 لغة على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة، في حين تعتبر 573 لغة محتضرة، و502 معرضة للخطر الشديد، و632 معرضة للخطر، و607 لغات هشة.
ونبهت اليونيسكو الى إن «اختفاء لغة من اللغات يؤدي أيضاً إلى اختفاء العديد من أشكال التراث الثقافي غير المادي، لا سيما ذلك التراث الثمين القائم على التقاليد، وعلى أشكال التعبير الشفهي من قصائد وأساطير وأمثال ونكات لدى المجتمعات التي تتداولها. كما أن فقدان اللغات يجري على حساب العلاقة التي يقيمها الإنسان مع التنوع البيولوجي حوله، لأن اللغات تنقل الكثير من المعارف عن الطبيعة والكون».
شاعر «الأمهات والقدس»
توفي في الثامن عشر من اكتوبر الماضي الأديب والشاعر التركي الكبير نوري باكديل، الذي لقب بشاعر القدس، لما كتب عن القدس، التي كانت مركز اهتمامه، وترك خلفه أكثر من ثلاثيين كتاباً وعشرات المقالات وأعمالاً مسرحية عديدة.
رأى باكديل ما حل بالقدس «رمزاً لأي ظلم يقع على المسلمين في أي مكان»، ورأى فيها الأُم، والمعراج، وقلب الحضارة الإنسانية، معتبراً أنها قِبلة تركيا «التي انكسرت رقبتها، وهي تنظر إلى الغرب»، واراد توجيه الأتراك «نحو وجهة التاريخ ومخزونه»، كما يقول د. حر محمود يوجر.
يقول الشاعر في ديوانه «القدس والأمهات»، الصادر عام 1981:
«أحملُ القدسَ ساعة في يدي
إن لم تضبط الساعة وفْقا للقُدس
تضيع الوقت هباء
تَتَجَمّد
وتعمى»
أصدر مجلة «الأدب في نهاية الستينيات من القرن الماضي، واهتم بتقديم عدد من شعراء» العالم العربي الكبير«الى القراء الأتراك، إيمانا منه بضرورة التواصل مع ثقافات العالم الإسلامي، واينما سافر كان يأخذ معه آلة كاتبة وحقيبة يد وصورة القدس. فالقُدس هي البوصلة، وهي الزاوية التي يرى منها الشاعر نوري العالم، لذلك كان متعلّقاً بها، ومتابعاً لأخبارها ومجرياتها، كان نوري عاشقاً حالماً، يعتبر الدّفاع عن القُدس دفاعا عن الحرية، كما يقول د. يوجر، مشيرا الى ان قلب الشاعر العاشق باكديل مشطور إلى نصفين، نصفٌ لمكّة المُكرّمة ونصفٌ للمدينة المُنوَّرة، أما القُدس فهي كالسّتار المُسدل عليهما!
وفي مارس 2015 زار العاشق حبيبته القدس، احتضنها واحتضنته، وتوضأ بمائها، وأدّى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، ثمّ غادر المدينة المحتلة متطلعا إلى لقاء التحرير.
أيقونة أدب السود
رحلت في الخامس من أغسطس الماضي توني موريسون، الروائية الأميركيّة السوداء الوحيدة، التي نالت بكل جدارة جائزة نوبل للآداب عام 1993 عن مجمل أعمالها الروائيّة، بعد ان منحت جائزة بوليترز عن روايتها الأكثر شهرة «محبوبة»، التي تحكي قصة زنجية هربت من عنصرية الجنوب الأميركيّ، وجرى القبض عليها واستردادها بموجب قانون الرقيق الهارب، فذبحت طفلتها البالغة من العمر سنتين، لتجنبها حياة العبودية، وبقي شبح الطفلة «محبوبة» يطارد الأم طيلة حياتها.
وذكرت الأكاديمية السويدية، التي منحت موريسون جائزة نوبل، أنها تميزت ببصيرة قوية وايحاء شعري، وكشفت من خلالها عن «الحياة في جانب أساسي من الواقع الأميركي»، ويظهر في أعمالها الماضي من خلال الحاضر المروع.
كانت موريسون من الكتاب النادرين، الذين حققت أعمالهم نجاحات أدبية ونقدية وتجارية على حد سواء، إذ بقيت رواياتها بانتظام في قائمة أكثر الكتب مبيعا.
اعتمدت تقنية تعدد الأصوات الأدبية ومزج العوالم، وتشابك في أدبها الواقع المؤلم مع الأساطير. وربّما كانت روايتها «جاز» خير شاهد على تجديدها وتجريبها. وقد وصف اسلوبها بأنه الأقرب إلى موسيقى الجاز.
عرفت موريسون بانتصارها للقضايا الإنسانية. وقالت «لا أكتب انتقاما من العنصرية بل لتغيير اللغة إلى لغة لا تنتقص الناس»، ووصفت «إسرائيل» بأنها «دولة فصل عنصري». ونددت بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في حق الفلسطينيين.
علامة تجارية
رحل يوم 19 فبراير 2019 كارل لاغرفيلد (85 عاماً)، المدير الإبداعي لدار شانيل. وقال برنار أرنو، رئيس شركة لوي فيتون: «برحيل كارل لاغرفيلد فقدنا عبقرياً مبدعاً ساهم في جعل باريس عاصمة الموضة في العالم».
كان لاغرفيلد واحدا من مصممي الأزياء الأكثر شهرة في العالم، في ثلاث من دور الموضة العالمية. فقد قاد شانيل لأكثر من 30 عاماً، حيث مزج الذوق الفني بالفطنة التجارية، وأوصل مبيعات العلامة الباريسية إلى 10 مليارات دولار في 2017.
وكانت علامته التجارية اكثر من مشروع تجاري، حيث شملت كل جوانب حياته. وقال عام 2011: «أنا علامة تجارية تمشي بين الناس».
في 1983 تولّى منصب المدير الإبداعي لدار شانيل، فأعاد الحياة الى الدار، التي كانت شبه ميتة بعد وفاة مؤسستها مدام كوكو شانيل، وكان يقدم 8 مجموعات أزياء سنوياً. وفي 1984 أطلق علامته التجارية الخاصة، التي أسسها على ما وصفه بالجنس الفكري.
وكان لاغرفليد يتقن اكتشاف المواهب في مجال عرض الأزياء، ومن اكتشافاته الفرنسية إنيس دو لا فريسانج، والألمانية كلوديا شيفر، والبريطانية كارا ديلافين، والأميركية الفرنسية ليلي-روز ديب.
عاصفة «نوبل»
أعلن في العاشر من أكتوبر فوز الكاتب النمساوي بيتر هاندكه بجائزة نوبل للآداب لسنة 2019، في حين عادت الجائزة في دورتها لسنة 2018، التي تأجّلت العام الماضي، بسبب فضيحة جنسية طالت الأكاديمية، إلى الكاتبة والناشطة البولندية أولغا توكارتشوك.
ولأن هاندكه مؤيد قوي للصرب، ينفي أن تكون مذبحة سريبرينيتسا، التي راح ضحيتها ثمانية آلاف مسلم بوسني، إبادة جماعية، قاطع ممثلو سبع دول حفل توزيع الجوائز احتجاجاً على منحه الجائزة، كما قاطع الحفل أحد أعضاء الأكاديمية السويدية، واستقالت عضو من اللجنة، التي تختار المرشحين للجائزة.
